مجمع البحوث الاسلامية

613

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

لا يتعلّق بالأعيان ، وإنّما يتعلّق بأفعال المكلّف ، ثمّ يختلف باختلاف ما أضيف إليه . فإذا أضيف إلى مأكول نحو قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ . المائدة : 3 ، فالمراد الأكل ، وإذا أضيف إلى النّساء فالمراد العقد ، فالتّقدير : حرّم عليكم نكاح أمّهاتكم ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، لدلالة مفهوم الكلام عليه . وكلّ امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمّك بإناث رجعت إليها وبذكور ، فهي أمّك . ( 2 : 28 ) الفخر الرّازيّ : اعلم أنّه تعالى نصّ على تحريم أربعة عشر صنفا من النّسوان : سبعة منهنّ من جهة النّسب ، وهنّ : الأمّهات والبنات والأخوات والعمّات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت ، وسبعة أخرى لا من جهة النّسب : الأمّهات من الرّضاعة والأخوات من الرّضاعة وأمّهات النّساء وبنات النّساء - بشرط أن يكون قد دخل بالنّساء - وأزواج الأبناء والآباء - إلّا أنّ أزواج الأبناء مذكورة هاهنا ، وأزواج الآباء مذكورة في الآية المتقدّمة - والجمع بين الأختين . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ذهب الكرخيّ إلى أنّ الآية مجملة ، قال : لأنّه أضيف التّحريم فيها إلى الأمّهات والبنات ، والتّحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان ، وإنّما يمكن إضافته إلى الأفعال ، وذلك الفعل غير مذكور في الآية ، فليست إضافة هذا التّحريم إلى بعض الأفعال الّتي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمّهات والبنات ، أولى من بعض ، فصارت الآية مجملة من هذا الوجه . والجواب عنه من وجهين : الأوّل : أنّ تقديم قوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ النّساء : 22 ، يدلّ على أنّ المراد من قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ تحريم نكاحهنّ . الثّاني : أنّ من المعلوم بالضّرورة من دين محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ المراد منه : تحريم نكاحهنّ ، والأصل فيه : أنّ الحرمة والإباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان ، فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف . فإذا قيل : حرّمت عليكم الميتة والدّم ، فهم كلّ أحد أنّ المراد تحريم أكلهما ، وإذا قيل : حرّمت عليكم أمّهاتكم وبناتكم وأخواتكم ، فهم كلّ أحد أنّ المراد تحريم نكاحهنّ ، ولمّا قال عليه الصّلاة والسّلام : « لا يحلّ دم امرئ مسلم إلّا لإحدى معان ثلاث » فهم كلّ أحد أنّ المراد لا يحلّ إراقة دمه ، وإذا كانت هذه الأمور معلومة بالضّرورة ، كان إلقاء الشّبهات فيها جاريا مجرى القدح في البديهيّات وشبه السّوفسطائيّة ، فكانت في غاية الرّكاكة . واللّه أعلم . بلى عندي فيه بحث من وجوه أخرى : أحدها : أنّ قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ مذكور على ما لم يسمّ فاعله ، فليس فيه تصريح بأنّ فاعل هذا التّحريم هو اللّه تعالى ، وما لم يثبت ذلك لم تفد الآية شيئا آخر ، ولا سبيل إليه إلّا بالإجماع . فهذه الآية وحدها لا تفيد شيئا ، بل لا بدّ معها من الإجماع على هذه المقدّمة . وثانيها : أنّ قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ليس نصّا في ثبوت التّحريم على سبيل التّأبيد ، فإنّ القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى المؤبّد ، وإلى المؤقّت ، كأنّه تعالى تارة قال : حرّمت عليكم أمّهاتكم وبناتكم إلى الوقت الفلانيّ فقط ، وأخرى : حرّمت عليكم أمّهاتكم وبناتكم